قصة من عدن : "النقطة"

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

يقع مكتبه يساراً في منتصف ردهة يكسوها الغبار كما هو الحال في جميع المرافق الحكومية، التزمتُ دوري بأدب، وجلستُ في أحد المقاعد الفارغة، ليس بيني وبينه الكثير من المراجعين، لكنه لا يبدي اهتماماً في إنهاء معاملاتهم أو الإجابة على أسئلتهم، يتحدث في الهاتف أحياناً ويصغي أحياناً أخرى إلى ثرثرات رمضانية تلقيها زميلته في المكتب المجاور في ظاهرة مسائية تبدأ طقوسها عقب أذان المغرب حين ينفجر الكبت الذي يفرضه الصيام على عشاق النميمة.

لم أحتمل صمت المراجعين في الطابور أمامي، قفزت إلى المقدمة وصرخت في وجهه أن ما يفعله يخالف ضمير المهنة، نظر إلي من بين أكوام الملفات على يمينه ويساره وطلب مني ببرود أن أعود إلى مكاني في الطابور فطلبت منه أن يعود إلى عمله وسط إعجاب المراجعين المستسلمين لقدرهم، تحرك الطابور قليلاً ثم جاء دوري، أخبرته أنني أريد فقط تحويل النقطة الخاصة باشتراك الانترنت من رقم هاتف إلى رقم هاتف آخر، أخذ أوراقي بصمت ووضعها فوق كومة من الملفات تشمل قوائم طالبي نقاط الانترنت في ثلاث مديريات، لكنني شرحت له مرة أخرى أنني لا أريد نقطة جديدة "أنا أمتلك نقطة وأريد فقط نقلها إلى رقم الهاتف الجديد، هذا أمر بسيط أنا لا أبحث عن نقطة جديدة"، أجابني ببرود "لا فرق"، سألته "ماذا تعني؟"، رد ومن دون أن ينظر "يعني أننا سنضع اسمك ضمن القائمة"، صرخت أنا "لماذا؟ أنت لا تفهم، أنا أريد فقط نقل نقطتي من رقمي القديم إلى رقمي الجديد ضمن سنترال واحد"، أعاد كلامه مؤكداً أنني أنا الذي لا أفهم.

أدركت أن المسألة أصبحت شخصية وأن مصير "النقطة" بيده، تمالكت أعصابي هذه المرة واستنفرت جميع الخلايا الدماغية لإفراز أكبر قدر ممكن من هرمون الأندورفين لأرسم ابتسامة صفراء على شفتي وسألته وعلى وجهي ترتسم براءة العالم "لا بأس، كم يستغرق هذا؟"، نظر إلي من أعلى نظارته وبذات النظرة الباردة: "سنة".

أخذت أوراقي بعنف ومضيت، همس لي أحدهم في أذني ناصحاً بالذهاب إلى غرفة الفنيين لاختصار الطريق، الشخص المسؤول لا يوجد في الغرفة المليئة بالأسلاك والمشابك، لكن الشخص الآخر الذي سمعت اسمه في أذني يتناول القات في زاوية الغرفة بعد أن دلني عليه أحدهم، أخبرته أنني أريد فقط نقل "النقطة"، نظر إلى أوراقي بسرعة وقال إنني بحاجة لدفع رسوم التحويل، شرحت له أن الرسوم مدفوعة وأن سند التحصيل موجود ضمن الأوراق، أشرت إلى السند بيدي، نظر إليه "هذا سند تسديد فاتورة استهلاك الانترنت"، أجبته بسرعة "عفواً أنت مخطئ، اقرأ جيداً هذا سند رسوم نقل النقطة، مكتوب هنا بوضوح، اقرأ جيداً لو سمحت"، أعاد النظر سريعاً، "صحيح، لكن الشخص المسؤول غير موجود"، شعرت للحظات أنني أرغب في لكمه على خده المنتفخ بعصارة القات، لكنني استدركت "لا مشكلة، أريد فقط أن أسالك...."، قاطعني وبسرعة "أنا فاضي أخزن ولا فاضي أجاوبك على أسئلتك"، صرخت "هذا عملك"، لكن أثر القات في جسده لم يسمح له بإظهار انفعال مشابه، استدرت متجهاً صوب الباب، شدني أحدهم، أخذ الأوراق من يدي وانهمك في البحث عن إحداثيات النقطة بين كومة الأسلاك.

انيس البارق 

قصة من عدن : "النقطة"

يقع مكتبه يساراً في منتصف ردهة يكسوها الغبار كما هو الحال في جميع المرافق الحكومية، التزمتُ دوري بأدب، وجلستُ في أحد المقاعد الفارغة، ليس بيني وبينه الكثير من

ما الذي حدث ويحدث في أروقة مطار عدن؟

في نهاية الاسبوع الماضي بتث قناة الغد المشرق في احدى برامجها لقاء مع مدير مطار عدن السابق المهندس طارق عبده علي وهو ما اسأل الحبر على عديد من الاسئلة بخصوص قضية مطار



هذا المقال "قصة من عدن : "النقطة"" مقتبس من موقع (عدن الغد) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو عدن الغد.

أخبار ذات صلة

0 تعليق