شربجي والأصم والمصائر المجحفة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

رستم محمود/

ملايين السوريين كانوا يندبون حظهم العاثر، وهم يسمعون كلمة ممثل قوى إعلان الحرية والتغيير والقيادي في تجمع المهنيين السودانيين محمد ناجي الأصم يوم السبت الفائت، في حفل توقيع الوثيقة الدستورية في السودان. فالأصم، بموقعه وهيئته الجسدية ونظاراته ومضامين خطابه، كان يشبه الكثير من الناشطين المدنيين والسياسيين السوريين، الذين أفرزتهم الثورة السورية في سنتها الأولى، وكانوا السياق والديناميكية التي منحت هذه الثورة السورية لغتها وهويتها الأولى، هذه الثورة، التي ما لبثت سيرتها أن تطابقت مع سيرة هؤلاء الناشطين المدنيين الديمقراطيين السلميين السوريين فيما بعد، هي مثلهم قُتلت تحت التعذيب.

الناشط المدني السوري يحيى شربجي كان أكثر هؤلاء السوريين تطابقا مع الأصم، لأسباب عديدة ومُركبة، على رأسها الموقع التمثيلي العمومي الذي حاذه شربجي لسنوات طويلة في المشهد السوري العام، في تجربته ورمزية تمثيله للنشاط المدني السلمي المُعارض، تلك التجربة والرمزية التي خولت شابا سودانيا كالأصم لأن يُلقي "خطاب النصر" للثورة السودانية.

الأصم وشربجي ناشطان مدنيان، خاضا هذه التجربة منذ أوائل العشرينيات من عمرهما

ينتمي الأصم وشربجي لمنشأ اجتماعي وطبقي ومعرفي وعائلي شبه متطابق. فالرجلان جامعيان، ومن أبناء الطبقة الوسطى ومن سكان المدن، وينحدران من عائلة مارست السياسة في أجيال سابقة منها، ثم انقطعت بسبب الأنظمة الشمولية.

كذلك، فإنهما ناشطان مدنيان، خاضا هذه التجربة منذ أوائل العشرينيات من عمرهما، وكلاهما انطلق من موقعه الجغرافي والمهني الأولي، كناشط ساعٍ لرفع سوية وحيوية العمل المدني في الأوساط المجتمعية والمهنية التي كان جزء منها.

وكان، كلاهما، يعتقد بأن هذه الفاعلية المدنية هي الديناميكية الأكثر قدرة على تغيير الأحوال السياسية في بلده فيما بعد، بعيدا عن العُنف الانقلابي والعسكري وعن الأحزاب العقائدية، التي تحولت إلى شبه أجهزة قمعية للتطلعات المجتمعية العامة.

ثمة فاروق واحد وصغير بين تجربة الشابين، لكن هذا الفارق على صغره، كان شديد التأثر على مصيرهما، ومايزال كثير التأثير على مصير شعبهما ودولتهما.

سمح ظرف الحُريات السياسية والعامة في السودان، الذي كان صغيرا ونسبيا للغاية، سمح لشاب عشريني مثل الأصم لأن يطور تجربته المدنية السياسية طوال سنوات حياته الجامعية، منذ قرابة عشرة سنوات وحتى الآن، كناشط ومن ثم قيادي في نقابة أطباء السودان، وليكون بالتالي وجها لتجمع المهنيين السودانيين، التنظيم الذي كان رأس الحربة في قيادة التغيير السوداني.

تلك الحريات العامة في السودان، على قلتها، سمحت لأناس مثل الأصم لأن يخلقوا ويتفاعلوا ضمن تنظيمات ذات استقلالية ما عن نظام الحُكم وسطوته المُطلقة على الدولة والمجتمع، وسمحت لأن يقود هذا التنظيم إضرابات عامة، مثلما حدث في إضراب لجنة أطباء السودان عام 2016، التي دعا إليها وقادها الأصم. وكذلك كانت سبباً لأن يكون اعتقال الناشطين أمرا نسبيا، وألا يطول لأكثر شهور قليلة، فيما لو حدث. نفس ذلك الظرف الذي أجبر المجلس العسكري السوداني، فيما بعد، لأن يقبل بأمثال الأصم وتنظيماته كطرف وقوة سياسية نظيرة، وشريكة في مرحلة تالية.

غياب ذلك شرط في الفضاء السياسي السوري، على قلته ونسبيته الشديدة، سمحت للأسدية السورية كنظام حكم مطلق السيطرة، سمحت لها بمحق شربجي وأمثاله، كشخص وكتجربة ونموذج، ومنذ بواكيره الأولى، خشية من أي تطور موضوعي قد يصيبهم.

فلأن شربجي قاد عدد من شبان من بلدته داريا القريبة من العاصمة دمشق، في أوائل عهد حكم بشار الأسد عام 2000، في مبادرات مدنية بسيطة، كتنظيف الشوارع العامة وزراعة الزهور في الساحات، فإن محكمة أمن الدولة الخاصة في سوريا حكمت بسجنه وعدد من رفاقه وقتئذ لثلاثة سنوات. وحينما اندلعت الثورة السورية، وقاد الشربجي مع صديقه الناشط غياث مطر أبناء بلدته داريا لأن يُقدموا الزهور والماء البارد لعناصر الجيش السوري الذين كانوا يُطلقون الرصاص الحيّ على المتظاهرين، فإن مصيرهما، في ظلال الأسدية المطلقة، كان الاعتقال والقتل تحت التعذيب.

بالضبط، كما كان النظامان الحاكمان السوري والسوداني ينتميان إلى نفس التشكيل التاريخي للأنظمة الأيديولوجية الشمولية والعائلية الفاسدة، فإن الناشطين شربجي والأصم كانا جزء من الحتمية التاريخية التي أفرزت ملايين الشُبان المدنيين الطامحين لتغير أحوال بلدانهم وهوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية. تلك الحتمية التي تم تصريفها بأشكال مختلفة في سياقات الربيع العربي، تصريف كان يشبه إلى كبير هوية ومدى إطلاقية حُكم تلك الأنظمة، من التجربة التونسية وحتى نظيرتها السورية، مرورا بتجارب الجزائر وليبيا ومصر واليمن والسودان والجزائر. فهؤلاء الشبان، الذين كان بروزهم حتمية تاريخية بحُكم التغييرات البنيوية التي أصابت مُجتمعات المنطقة، إنما لاقوا مصائر تطابقت مع هوية أنظمة الحكم في تلك البلدان.

لكن التراجيدي، أن هوية تلك الأنظمة ستبقى فاعلا أولا ومركزيا لما ستستقر عليه مصائر هذه المجتمعات والدول طوال عقود قادمة، كما حددت مصائر شُبان مثل شربجي والأصم.

الأصم، بموقعه وهيئته الجسدية ونظاراته ومضامين خطابه، كان يشبه الكثير من الناشطين المدنيين والسياسيين السوريين

هل لأحد أن يتخيل أحوال مئات الآلاف من اليافعين والشبان والشابات السودانيين الذين كانوا يتابعون الأصم خلال إلقاءه لكلمة النصر، ومدى ما اعتبروا الأصم أمثولتهم التي سيسيرون على نهجها في خياراتهم الحياتية الخاصة والمدنية العامة المُستقبلية. تلك التي يُمكن اختصارها حسب خطاب الأصم بأربعة توجهات بسيطة: المدنية السياسية والثقافية، كخيار في مواجهة الدولة العسكرية أو الدينية؛ والعدالة في مقاضاة كل الذين ارتكبوا فظائع بحق الشعب السوداني؛ والديمقراطية التمثيلية، بآلياتها وقيمها ومعايرها لتشكيل السلطة العامة في البلاد؛ وأخيرا الحق الشامل للمواطنين في الخير العام، عبر تأسيس آليات لمواجهة الفساد والنهب العام واستيلاء السلطة على موارد البلاد.

مقابل ذلك، هل لأحد أن يتخيل أحوال مئات الآلاف من اليافعين والشبان والشابات السوريين الذين صاروا يعتبرون بدلاء شربجي هم الأمثولة، هؤلاء البدلاء الذين ما كان لهم أن يظهروا على صفحة التاريخ والمتن العام، فيما لو كان شربجي وأمثالهم قد لاقوا حظا ما للبقاء والنجاح. بدلاء شربجي من أمثال قائد جبهة النصرة أبو محمد الجولاني، والقيادي في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية الضابط البعثي السابق أسعد الزعبي، الذي وجه قبل يومين تحيات للديكتاتور العراقي السابق صدام حسين، فقط لأنه قضى على الآلاف من الكُرد العراقيين بالأسلحة الكيماوية.

صار هؤلاء يعتبرون أنفسهم ممثلين للقيم والسياق التاريخي الذي قاده ومثله يوما شبان سوريون من أمثال شربجي. يا لعار التاريخ ومصائره المُجحفة!

اقرأ للكاتب أيضا: الأسدية كاستراتيجية تركية تجاه السوريين وقضيتهم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

هذا المقال "شربجي والأصم والمصائر المجحفة" مقتبس من موقع (الحرة) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الحرة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق