الحب والحرب

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

طال غياب محمد على الجبهة وانقطعت حكاوى راوية عنى بعدما استعانت بطفلة من العائلة لتكتب وتقرأ لها، وكانت ابتسامتها الغائبة وملامح الحزن على وجهها تشى بأن الأمور مع محمد فى تأزم!، كنت أشعر بضيق كلما رأيتها، حتى أننى تمنيت أن يعود خطيبها ويتزوجها ويأخذها ويرحلا من هذا المكان.

ثم أتى من على الجبهة الخبر الأليم.. استشهد محمد أثناء طلعة من طلعات جنودنا للشط الآخر من القنال. اكتسى الشارع كله بالسواد ورأيت أمه غير قادرة على النطق.. أما راوية فقد نقلها إخوتها للمستشفى بعد أن انهارت لدى سماعها الخبر. خرجت راوية من المستشفى لكنها كانت شخصاً آخر.. حبست نفسها فى البيت وبعد عدة أسابيع انتحرت بإحراق نفسها. كانت مأساة مروعة عاشها شارعنا وقد تأثرنا بها جميعاً. لقد كان كثيراً علينا أن يموت محمد ثم تلحق به راوية وهما الثنائى الذى طالما ناله حسد الصبيان والبنات، وتصور الجميع أن أياماً وليالى وردية تنتظرهما.

بمرور الوقت خفّت الفاجعة وتناقص أثرها شيئاً فشيئاً، ومثل كل حزن بدأ كبيراً ثم أخذ يصغر حتى تلاشى أو كاد.. ومع ذلك كانت تصيبنى غصة فى كل مرة كنت أرى فيها مجدى جارى وزميلى بالمدرسة وشريكى فى كتابة الخطابات، وكان هو يفهم ذلك، فكان يُغضى ويضع وجهه فى الأرض لدى رؤيتى. بعد سنوات وكنا قد كبرنا وتخرجنا وتركنا الحى، قابلت مجدى وقد أصبح طبيباً.. قابلته فى مناسبة اجتماعية عند أحد الأصدقاء، فأمسكنى من يدى وقال لى: هناك ما أود أن أحدثك فيه من سنين. شعرت بأنه سيتحدث عن الموضوع القديم فقلت: لا أظن أن ما تقوله سيسعدنى.. من الأفضل ألا تقول شيئاً. قال: أنا أصر أن تسمعنى.. أرجوك.. أنا أعرف أنك تنظر لى نظرة سيئة وأنا أستحقها، لكنى لست السبب فى موت محمد. قلت مندهشاً: ومن قال إنك السبب؟ رد: لم يقل أحد لكنى أخشى أن تعتقد ذلك. قلت: لقد كانت الجبهة ترسل لنا شهداء من أبناء مصر كل يوم. قال: أعترف لك بأننى كنت أحبها مثل الجميع، وأعترف بأننى كنت أحياناً أفبرك كلاماً لم تقله لى بهدف مضايقة محمد.. لقد كنت أستكثره عليها، وبعد موته شعرت بأنه وإن كان لم يمت بسببى إلا أنه مات تعيساً بسببى.. قال هذا ثم لمعت عيناه بالدموع وهو يردد: أنا حيوان. لمست كتفه فى رفق: هوّن على نفسك يا رجل.. لقد مضى وقت طويل وليس هناك من يعرف أى شىء عن هذه الحكاية، وأنا عن نفسى لم أتحدث مع أحد فى هذا الشأن مطلقاً. قال: أعرف أعرف ولقد تابعتك طيلة سنوات خشية أن تفضحنى لكنك لم تفعل. قلت: ما الذى يضايقك إذن.. لقد فعلتَ ما أردت ونجوتَ بفعلتك؟

قال فى صوت يغلفه الحزن: هذا صحيح، لكن الشعور بالعار الذى يلازمنى سببه أننى نجوت بفعلتى!.

هذا المقال "الحب والحرب" مقتبس من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

الكاتب

أخبار ذات صلة

0 تعليق