المشهد الإعلامي في 2019.. «سيء وعشوائي» (حصاد سنوي)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كعادته لسنوات، وقف جمال حسن، وسط زملائه في ستوديو المونتاج، يباشر عمله، بينما تناهى إلى أسماعه خبر غلق القناة التي يعمل بها في موعد أقصاه شهر واحد.

إلى منزله حزينًا توجه «جمال»، الذي يعمل مديرًا لوحدة المونتاج بقناة ten. ناقش مع زوجته مستقبل أبنائهما «أشرقت- 18 عامًا»، و«أحمد- 13 عامًا». شاركها همومه على زملائه؛ أحدهم تزوج قبل أشهر وفي انتظار رضيع، وآخر تركته خطيبته بعد سماعها الخبر. خلد إلى نومه، واستيقظ صباحًا استعدادًا لعمله. فجأة سمعت زوجته صوت ارتطام بالغرفة. كان زوجها طريحًا على الأرض لا يتحرك.

الآن يقبع «عم جمال»- كما يناديه العاملون في القناة- في مستشفى التأهيل العسكري في العجوزة، بعد إصابته بنزيف بالمخ، أدى إلى حالة شلل في الجانب الأيسر. وإلى جانبه زوجته ونجليه، ويداوم على زيارته «أبنائه» في القناة- كما يحب تسميتهم.

أسبوعان بعد سقوط «جمال»، كان المحرر العسكري السابق، ورئيس لجنة الإعلام بمجلس النواب، أسامة هيكل، يؤدي اليمين الدستورية، أمام رئيس الجمهورية، كوزير الدولة للإعلام، وسط صلاحيات غير محددة، رفضها في البداية مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، والذي ظل متحكمًا في المشهد الإعلامي لسنوات.

كان الارتباك في إدارة المشهد الإعلامي، هو الأبرز عام 2019، إذ شارك «جمال» في أزمته آلاف العاملين في قنوات عدة، قررت تخفيض عمالتها، وتسريحهم، وتخفيض الأجور، فيما اختفت قنوات جرى الإعلان عن قرب إطلاقها للعامة، وأنهى مذيعون عملهم في قنوات دون سابق إنذار، وانتقلوا إلى أخرى، في مشهد غير مكتمل للجميع.

يصف الخبير الإعلامي، ياسر عبدالعزيز، المشهد في 2019 بـ«السيء»، إذ تواصلت الممارسات الإعلامية «الرديئة»، واستمرت الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها وسائل الإعلام، وحسب «عبدالعزيز» فإن العام «لم يشهد أي اختراق أو إنجاز مميز».

يسرد الخبير الإعلامي، في تصريحاته لـ«المصري اليوم»، أبرز ما تضمنه العام من «إغلاق للصحف وقنوات التليفزيون، فيما استمرت الأزمة المالية في الضغط على الملاك، ما أدى إلى تسريح العاملين، مع عدم استطاعة بعض الوسائل الوفاء بالتزاماتها ونفقات تشغيلها».

خيّمت الأزمة الاقتصادية على المشهد ككل هذا العام، إذ يتفق مع الرأي السابق، ما قاله الدكتور جمال الشاعر، وكيل الهيئة الوطنية للإعلام: «المعضلة الاقتصادية ما زالت معوق وتعرقل كل الجهود نحو تنظيم المؤسسات».

في حديثه لـ«المصري اليوم» استعرض «الشاعر» ديون اتحاد الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) التي تجاوزت 43 مليار، فيما تصل مديونية الصحف القومية إلى نصف المبلغ تقريبًا، على حد قوله، ما «منع تلك المؤسسات من الانطلاق».

الأزمة نفسها أشار إليها «عبدالعزيز»، الذي قال إن قرار رفع أسعار الصحف، الذي تم في يوليو من هذا العام، بالتوازي مع التراجع الحاد في توزيعها، هو أمر يعبر عن تفاقم الأزمة.

مشكلات أخرى واجهها الإعلام المصري في 2019، تصدرها الفصل الأخير من المشهد باعتراض «مكرم» على تولي «هيكل» لحقيبة الإعلام بوصفه «وزير بلا وزارة تتعلق بشؤون الإعلام، لأن القانون لم يوضح اختصاصاته ولا علاقته بالهيئات الأخرى»، قبل أن يتراجع بعد أسبوع من حلف اليمين: «أتوجه إليكم بخالص التهنئة وثقة القيادة السياسية في شخصكم الكريم، وأدعو الله أن يوفقكم في منصبكم الجديد لما فيه صالح مصرنا الحبيبة، وأتطلع إلى لقاء في القريب العاجل».

الوزارة التي تولاها «هيكل»، ألغيت عام 2014، بعد إقرار الدستور المصري في نفس العام، ونص في مواده 211، 212، 213، على وجود 3 هيئات إعلامية، على رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي «يختص بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها»، إضافة إلى الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة، والوطنية للصحافة.

«سيعاد بناء وترتيب البيت على أساس وجود وزير دولة للإعلام»، يقول الإعلامي، جمال الشاعر، وكيل الهيئة الوطنية للإعلام، موضحًا أن «الصلاحيات الموكلة للهيئات ستعاد على أساس القرار الأخير».

يطرح «الشاعر» رؤيته لحل الموقف، قائلًا إن منع الازدواجية في المهام سيحدده قرار تكليف الوزير بالمهام التي يضطلع بها، على اعتبار أن الدستور يلغي وزارة الإعلام.

يتوقع رئيس مجموعة القنوات المتخصصة، أن يكون هناك تشاورًا مع الهيئات الثلاث، التي نص عليها الدستور، قبل تحديد صلاحيات «هيكل».

المجلس الأعلى للإعلام، الذي أوكل إليه الدستور مهمة «وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها»، لم يستطع السيطرة على المشهد الإعلامي هذا العام، إذ أنه حسب «عبدالعزيز» استخدمت العديد من الصحف في 2019 «اللغة البذيئة، ومارست انتهاكات لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالتمييز».

الممارسات، التي عددها مدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالقاهرة، يرى أن المجلس حاول حلها بسعيه لإصدار مدونات للسلوك أو توقيع عقوبات، بموازاة نقابتي الإعلاميين والصحفيين، لكن «غياب الفهم والضبط المحكمين، والكيل بالمكاييل المتعددة أفسد محاولة إخضاع الآداة للتقييم».

مشكلة أخرى ساقها حمدي الكنيسي، نقيب الإعلاميين السابق، في معرض تقييمه للوضع الإعلامي في 2019، الذي رآه «عشوائيًا، وعاجزًا بشدة عن مواكبة وإبراز ما تحقق من إنجازات»، إذ أشار إلى أن «أسوأ ما أنتجه الإعلام هذا العام هو جنوحه تجاه الإثارة».

«ارتمى في أحضان الإثارة والموضوعات غير الدقيقة»، يقول «الكنيسي» لـ«المصري اليوم»، فيما ثمّن محاولات ما أسماه «الإعلام الوطني»، الذي عرّفه بـ«ماسبيرو والصحف القومية» لتحقيق «ما يفترض من مسؤولية الإعلام»، لكن، حسب «الكنيسي» «ظلت الصورة بشكل عام سيئة».

مثل لعبة الكراسي الموسيقية، دار عدد من الإعلاميين هذا العام حول عدد من القنوات «دون أن يكون لذلك مغزى أو معنى»، حسب «عبدالعزيز»، الذي أكد أنه رغم ذلك لم يشهد العام ميلاد نجوم إعلاميين مؤثرين، في الوقت الذي استمر فيه «افتقاد مصر، لأي تعبير إعلامي إقليمي أو دولي ذي شأن، ما أدى إلى تأثير سلبي في الصورة الذهنية لقدرات مصر الإعلامية».

عدم الإعداد الجيد، هو السبب في رأي «الكنيسي»، خاصة أن العام المنصرم شهد «نوعًا من تشابه الرسالة الإعلامية في كل المحطات، حسب»الشاعر«، الذي أرجع سبب الأزمة إلى أن المشهد الحالي ما زال في مرحلة إعادة الهيكلة والتطوير المؤسسي، لذلك تحدث نقلة نوعية فيما يتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية والصحية، لكن الأمر يحتاج خبرة جيدة ومتخصصة في ملف إدارة الأصول.

أزمة تشريعية كبرى واجهت الإعلام هذا العام، رغم تصديق الرئيس عبدالفتاح السيسي على القانون رقم 180 لسنة 2018، الخاص بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن لم يتم تفعيله حتى الآن، واستمرت الهيئات الثلاث في صيغة تسيير الأعمال، لكن هذه الصيغة، حسب «عبدالعزيز»: «لم تمنحها القدرة على تحقيق أي تقدم ملموس».

كان من المفترض أن يؤدي القانون إلى «ترشيد المشهد الإعلامي وتنقيته»، حسب «الكنيسي»، الذي يشغل حاليًا منصب عضو الهيئة الوطنية للإعلام«، لكن»عدم التنسيق بين عناصر المنظومة الإعلامية، في مقدمتها الهيئات الثلاث جعل الأمور تسير بما لا يتماشى مع القانون«.

على مستوى الحريات، تراجع تصنيف مصر في المؤشرات العالمية، وقدّر خالد ميري، عضو مجلس نقابة الصحفيين، خلال كلمته بمؤتمر إطلاق حالة الحريات في الوطن العربي، عدد الصحفيين المحبوسين في مصر بـ«9 على ذمة قضايا جنائية»، وهو ما عارضته لجنة الحريات بالنقابة ذاتها، مقدرة العدد بأكثر من ذلك، مع رفضها وصف القضايا المحبوس على ذمتها الصحفيين بـ«الجنائية».

يؤكد «عبدالعزيز» في حديثه وجود شكاوى عدة تتعلق بحرية الرأي والتعبير،، فيما أرجع «الشاعر» الأمر إلى عدم إصدار قانون تداول المعلومات، ما يجعل الإعلاميين في حالة قلق وعدم ارتياح دائمين، لتنامي شعور داخلي بأنهم قد يتعرضوا للمساءلة القانونية في أي وقت تحت طائلة اتهامات إفشاء معلومات، أو نشر أخبار كاذبة.

يتوقع «الشاعر» مشهدًا أفضل في 2020، خاصة في ظل وجود «توجه من الدولة نحو تعزيز الحوار المجتمعي» يصفه بـ«الجيد الذي يجب استثماره».

استمرار التراجع المهني وارتكاب الأخطاء على نطاق واسع، وإبراز عدد من المخالفات المهنية، بدا كأنه جزء أصيل من المشهد الإعلامي في 2019، حسب «عبدالعزيز»، وتسبب «غياب التعدد والتنوع، والأزمة الاقتصادية، وأحادية الفكر، ومحدودية الأفكار في تلك الأزمات»، لكن الأمر قد لا يستمر في 2020، بعد «إدراك القائمين على الأمور أن الآليات الراهنة لن تؤدي إلى تحقيق الإنجازات المأمولة».

شرط وحيد وضعه «عبدالعزيز» في معرض أمنياته بعام جديد مختلف في الممارسات الإعلامية: «سيكون عامًا أفضل في المجال الإعلامي، إذا كانت هناك رؤية وإرادة حقيقية للإصلاح».

تتسلل أنوار صباح العام 2020 على شباك الغرفة رقم 301، التي يقبع بها «عم جمال» بالمستشفى، بينما علم من زوجته أن بيانًا آخر بثته قناة ten، يفيد بعدم إغلاق القناة وعودتها بشروط «صارمة». فرحة انتابت الجميع لكن «جمال»، الذي «لم يحزن على حاله كحزنه على زملائه»، حسب زوجته، لم يستطع مشاركتهم الفرح.

«القناة رجعت، بس هو خلاص نايم ما بيتحركش»، بدموع تحدثت زوجته عن لحظة تلقيه الخبر على فراشه، في الوقت الذي يتأرجح فيه المشهد الإعلامي، منتظرًا تحديد صلاحيات الوزير الجديد، وإدارة تسمح بالتعدد والتنوع وحل الأزمات المالية للعاملين في العام المقبل.

هذا المقال "المشهد الإعلامي في 2019.. «سيء وعشوائي» (حصاد سنوي)" مقتبس من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

الكاتب

أخبار ذات صلة

0 تعليق